محمد الحفناوي
118
تعريف الخلف برجال السلف
وجه العالم المحقق يحيى الرهوني من بلاد توزر أسئلة ، فأوضح مشكلها ، وكان من أئمة المالكية ومجتهديهم ، فقيه النفس قائما على الفروع والأصول ثبتا وتحصيلا ، عالما بالأحكام واستنباطها ، قوي التوجيه سريع النظر ، متورعا في الفتوى متحريا في مسائل الطلاق ، يدفعها عن نفسه ما استطاع ، يدرّس الفقه في كثير أوقاته ، وغالبها يقرأ « المدونة » بعد التفسير حتى مات . لم ينتفع الطلبة بأحد في مصر من الأمصار ما انتفعوا به في زمانه ، وذكر بعض فقهاء فاس للسلطان أبي عنان أنّه غير متبحر في الفقه حسدا ، فبعث السلطان حينئذ للفقهاء فحضروا ، وأمره بإقراء حديث « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم » « 1 » يختبر به حاله في الفقه ، فأخذ فيها من غير نظر ، فأول ما قال : في هذا الحديث خمس وعشرون فرقة فسردها ، ثم تكلّم على أخذها من الحديث ، وترجيح ما رجح كأنه يمليها من كتاب ، فلما رأى السلطان ذلك أقبل على الطاعنين ، وقال لهم : هذا الذي قلتم إنه قاصر في الفقه ، وكان لكلامه حلاوة ورونق وطلاوة ، قوة علمه فيه ظاهرة ، وأنواره باهرة ، ألف في أصول الفقه « مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول » طبّق فيه مسائل الفقه مع الأصول ، من أعلم الناس بالعربية وعلوم الأدب نحوا وبيانا ، حافظا للغة والغريب والشعر والأمثال ، وأخبار الناس ، ومذاهبهم ، وأيام العرب وسيرها وحروبها ، وأخبار الصالحين وسيرهم ، وإشارات الصوفية ومذاهبهم ، حسن المجلس كثير الحكايات ، ممتع المحضر ، عذب الكلام ، منصفا في البحث والمناظرة ، كثير البسط بلا عار ولا سرف ، خبيرا بأخبار النفس وتزكيتها وتطهيرها ، مذللا صعاب الأمور ، إماما في العلوم العقلية كلها منطقا وحسابا وفرائض وتنجيما وهندسة وموسيقى
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه مسلم ( 278 ) من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن أو أخراهن بتراب » وهو في مسند الشافعي 1 / 21 ( ش ) .